تمازيغت حاضرة لدى 89.6% من سكان الدريوش و71.1% بالناظور

في عودة إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، تؤكد الأرقام استمرار الحضور القوي للأمازيغية في الريف، حيث تُعد اللغة الأكثر استعمالا في الحياة اليومية بإقليمي الدريوش والناظور. فقد صرح 89.6% من سكان الدريوش و71.1% من سكان الناظور بأنهم يستعملون الأمازيغية في تواصلهم اليومي، في مؤشر يعكس رسوخ الهوية اللغوية والثقافية بالمنطقة.
وتضع هذه الأرقام الإقليمين في قلب الخريطة اللسانية لجهة الشرق، التي بلغت فيها نسبة استعمال الأمازيغية أو ما تعرف إداريا تريفيت 31.1 في المائة. ويعكس الفارق الكبير بين المعدل الجهوي ونسبتي الدريوش والناظور تمركز اللغة الريفية في مجالها التاريخي، مقابل تنوع لغوي أوسع في باقي أقاليم الجهة.
تريفيت حاضرة بقوة في الدريوش والناظور
تسجل الدريوش أعلى نسبة معلنة لاستعمال تريفيت داخل الجهة، بما يقارب تسعة أشخاص من كل عشرة. وفي الناظور، يستعملها أكثر من سبعة أشخاص من كل عشرة، وهو مستوى يؤكد أن اللغة ليست مرتبطة بالذاكرة العائلية فقط، بل ما زالت أداة تواصل يومي واسعة الانتشار.
ولا تعني هذه النسب أن السكان يستعملون لغة واحدة حصراً، لأن أسئلة الإحصاء تسمح برصد أكثر من تعبير لساني يستخدمه الفرد في حياته اليومية. لذلك يمكن للشخص نفسه أن يصرح باستعمال تريفيت والدارجة المغربية، أو باستعمال لغات وتعبيرات أخرى بحسب الأسرة والعمل والتعليم والإدارة.
وتظهر النتائج هذه الثنائية بوضوح. فعلى مستوى جهة الشرق، يستعمل 89.8 في المائة من السكان الدارجة المغربية، بينما تنخفض النسبة إلى 59.8 في المائة بالدريوش وتبلغ 81 في المائة بالناظور. وبذلك تعكس الأرقام فضاءً متعدد اللغات تتجاور فيه تريفيت والدارجة بدل أن تلغي إحداهما الأخرى.
الأرقام تطرح سؤال حضور اللغة في الخدمات
يقدم الانتشار الواسع لتريفيت معطى عملياً للمؤسسات المحلية، لأنه يحدد اللغة التي يفهم بها جزء كبير من السكان المعلومات اليومية. وتزداد أهمية ذلك في القطاعات التي تتطلب وضوحاً سريعاً، مثل الصحة والحماية المدنية والإرشاد الفلاحي والنقل والإجراءات الإدارية.
ولا يكفي أن يظهر اسم المؤسسة أو عنوان الخدمة بالأمازيغية إذا ظلت التفاصيل الأساسية بعيدة عن لغة المستعمل. فالحضور الفعلي يشمل الاستقبال والتوجيه والنماذج المبسطة والإعلانات الصوتية والمحتوى الرقمي، إضافة إلى قدرة الموظفين على التواصل مع المواطنين عند الحاجة.
وتختلف طبيعة الاحتياجات بين المجال الحضري والقرى. ففي المناطق القروية والجبلية قد تكون تريفيت الوسيلة الأسرع لشرح موعد طبي أو تحذير من خطر طبيعي أو شروط الاستفادة من برنامج عمومي، خصوصاً لدى كبار السن أو الأشخاص الذين لم يستفيدوا من تعليم مدرسي طويل.
معطيات اجتماعية تكمل الصورة اللغوية
لا تقف نتائج التقرير عند اللغة. فقد صرح 70.8 في المائة من سكان جهة الشرق بالاستفادة من تغطية صحية، وهي نسبة تفوق المعدل الوطني بنقطة مئوية تقريباً وتضع الجهة في المرتبة الخامسة وطنياً.
وفي المقابل، بلغ معدل انتشار الإعاقة 5.9 في المائة على مستوى الجهة، مقابل 4.8 في المائة وطنياً. وسجل إقليم الدريوش 8.3 في المائة، وهي من أعلى النسب داخل الشرق، بينما بلغ المعدل في الناظور 5.9 في المائة.
وتجعل هذه المؤشرات مسألة اللغة أكثر ارتباطاً بالولوج العادل إلى الخدمات. فالأشخاص في وضعية إعاقة، وكبار السن، وسكان المناطق البعيدة يحتاجون إلى معلومات واضحة ومتاحة بأكثر من صيغة، بما فيها تريفيت المكتوبة أو المسموعة عندما تكون الأنسب.
بيانات جديدة لتخطيط لغوي أدق
تمنح نتائج 2024 الجماعات الترابية والمصالح الإقليمية والجمعيات قاعدة رقمية يمكن استخدامها عند إعداد برامج التواصل والتكوين والخدمات. فبدلاً من التعامل مع استعمال تريفيت باعتباره انطباعاً عاماً، أصبح ممكناً قياس حجم الجمهور المعني على مستوى كل إقليم.
لكن الأرقام وحدها لا تقيس جودة حضور اللغة في المدرسة والإدارة والإعلام أو مدى قدرة السكان على القراءة والكتابة بها. وهي تحتاج إلى دراسات ميدانية مكملة تفرق بين الاستعمال الشفهي، والكفاءة الكتابية، واللغة المفضلة عند طلب خدمة عمومية.
ومع ذلك، تقدم النسب رسالة واضحة: الأمازيغية ما زالت لغة يومية أساسية في الدريوش والناظور. وأي سياسة محلية في التواصل أو التعليم أو الصحة تتجاهل هذا الواقع تخاطر بترك جزء واسع من السكان خارج المعلومة والخدمة.



