Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
كُتّاب وآراء

بوحمارة في الريف الشرقي: من التسلل إلى الزوايا وادعاء السلطنة إلى التحالف مع الاستعمار والسقوط


أجرى الحوار: الزبير مهداد

في الحوار التالي، سنحاول استرجاع بعض مخزونه من المعلومات التاريخية المتعلقة ببوحمارة الذي كان له أثر في الحياة السياسية في الريف الشرقي في بداية القرن العشرين.

مهداد: أستاذ عبد القادر، عندما نتحدث عن تاريخ الريف الشرقي في مطلع القرن العشرين، لا يمكننا تجاوز شخصية الجيلالي الزرهوني، المعروف بلقبه «بوحمارة». فقد استطاع هذا الرجل أن يفرض نفسه في منطقة واسعة، وأن ينازع السلطان سلطته، وأن يستقطب قبائل وأتباعا اعتقد بعضهم أنه صاحب الحق في العرش. كيف نفهم ظهور هذه الشخصية؟ ومن أين بدأ مسارها؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: لفهم بوحمارة، ينبغي أن نعود إلى بداياته، قبل أن يصبح سلطانا متمردا، وقبل أن يرتبط اسمه بتاريخ الريف. فقد ولد الجيلالي الزرهوني في زرهون، وعمل في سلك المخزن، وتعرض للسجن بسبب تزوير توقيع وثائق رسمية. وبعد خروجه من السجن، اشتغل كاتبا لدى حمو الحسن، قائد بني مطير. غير أنه لم يستمر طويلا في هذا العمل، إذ كان يهيئ نفسه لمسار آخر، فغاب عن الأنظار، وانقطعت أخباره فجأة بشكل مريب. حتى ظهر مجددا في تازة خلال أحد المواسم، وزعم للناس أنه الأمير «مولاي امْحَمَّد» الوريث الشرعي للعرش.

مهداد: معنى ذلك أن بوحمارة لم يظهر فجأة في الريف، ولم يكن مجرد مغامر ظهر من المجهول. لقد كانت له تجربة سابقة داخل أجهزة المخزن، وربما أتاح له ذلك أن يتعرف على طبيعة السلطة وأساليب اشتغالها.

الأستاذ عبد القادر شقيقي: هذا صحيح. لقد بدأ في تنفيذ خطته بتحرك بين المناطق والقبائل، انطلاقا من ضواحي فاس، مرورا بتازة ووجدة، وصولا إلى الريف وجبالة. وكان ينتقل من مجال إلى آخر، يبحث عن موطئ قدم، ويعمل على بناء شبكة من العلاقات. ومع الوقت، أعلن نفسه أميرا علويا، أصبحت تازة ثم وجدة، وأخيرا قصبة سلوان، محطات أساسية في مسار حركته.

مهداد: كيف نجح في حشد كل هؤلاء الناس في حركته التمردية، علما بأن المناطق التي انتشر فيها كانت محكومة بعلاقات قبلية وروحية من الصعب اختراقها.

الأستاذ عبد القادر شقيقي: إن الريف لم يكن مجالا فارغا، بل كان فضاء تحكمه علاقات قبلية وروحية، وكانت للزوايا فيه مكانة معتبرة. وقد أدرك بوحمارة بدهائه أهمية هذه البنية الاجتماعية، فحاول أن يدخل إليها من باب الدين والتصوف. كان يطوف بالمغرب متنكرا في هيئة متصوف. فقبل إعلان تمرده، وزار الريف الشرقي، وكانت الزاوية القادرية في منطقة ورك ببني شيكر من بين المواضع التي حل بها، حل ضيفا بالزاوية القادرية، نزل بها متنكرا في هيئة أحد المتصوفة، وأقام هناك أكثر من أسبوعين. وقد شكلت إقامته في الزاوية محطة مهمة في حياته، لأنها قربته من محيط يحظى بالاحترام لدى السكان.

دخل بوحمارة مجال الزوايا والتصوف إدراكا منه بأهميته في كسب ثقة الناس، والاستفادة من شبكة علاقات تتجاوز حدود المكان نفسه. وتذكر الروايات أن بوحمارة اكتسب هيبة لدى بعض القبائل، حتى أصبح شيخ زاوية، وأسس طريقة خاصة بأتباعه، سماها «الطريقة النورانية»، وهي شاذلية المسلك. وقد نشر بوحمارة تعاليمها بين القبائل عن طريق نشرات مكتوبة بخط اليد، كانت توزع على نطاق واسع. وكانت هذه الكتابات تلخص آراء صوفية في أسلوب متواضع.

إن بوحمارة لم يعتمد على الحضور الشخصي وحده، بل حاول أن يبني لنفسه إطارا روحيا له أتباع وتعاليم. ومن الناحية السياسية، يمكن أن نفهم ذلك بوصفه محاولة لتأسيس نوع من الشرعية الاجتماعية قبل الانتقال إلى منازعة السلطان.

مهداد: لكن، كيف لم يتعرف عليه الناس من خلال رسائله ونشراته التي كان يوزعها بكثافة على القبائل والزوايا، وهي تحمل اسمه؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: من المعطيات التي تستحق التوقف عندها رسالة وجهها إلى شرفاء كبدانة، حملها أحد خدام الزاوية القادرية بورك. تحمل الرسالة تاريخ 28 ربيع الثاني سنة 1317 هجرية، الموافق للخامس من شتنبر سنة 1899، وقد وقعها باسم «الحاج محمد الجيلالي القادري البغدادي»، وأضاف إلى توقيعه عبارة «عفى عنه».

ففي رسالة أخرى تتضمن نص الصلاة المشيشية، ورد اسم «الجيلالي بن عبد السلام بن إدريس الزرهوني اليوسفي الحسني»، مع عبارات الدعاء والرحمة. حضور الانتسابات الدينية والشريفة في هذه الأسماء يبين لنا أهمية النسب والرمزية الروحية في البيئة التي كان يتحرك فيها، وحرصه على استغلالها.

مهداد: إن تعدد الأسماء التي تنسب إليه يثير الانتباه.

الأستاذ عبد القادر شقيقي: كان «بوحمارة» داهية، كثير التلون والتوجس، لا يثق في أحد، يحرص على إخفاء اسمه وشخصيته الحقيقية، ونواياه المضمرة، حتى لا ينفضح أمره. كان يتسمى بأسماء مختلفة، ويتلقب كذبا بألقاب تربطه بنسب شريف كالقادري البغدادي، أو اليوسفي، أو الحسني أن غيره. وخلال مقامه بالزاوية، كان يأمر الخادم المكلف بحمل الطعام إليه، أن يضع الصحن عند باب الغرفة، ثم يحمله «بوحمارة» إلى مكان جلوسه، وبعد تناول الطعام، يضع بوحماره صحنه بجوار الباب، يأتي الخادم لاسترجاعه، دون أن يقترب من بوحمارة ولا أن يراه.

وهناك واقعة أخرى مهمة جدا، حصلت خلال مقامه بالزاوية. فحين عاد شريف الزاوية من رحلة تجارية، وكان برفقته كاتبه الفاسي عبد النبي. وعندما دخل عبد النبي غرفة الضيافة، وجد الجيلالي الزرهوني في أحد أركانها. وكان الكاتب فاسيا، يعرف بوحمارة ويتابع أخباره، فلما رآه قال له: «جيت حتى لهنا». أي بلغت بك الجرأة حتى وصلت إلى هنا.

ولعل «بوحمارة» كان ينوي إطالة إقامته في الزاوية، بسبب موقعها الاستراتيجي الهام، وقربها من مليلية، وحجم مكانتها في الريف الشرقي، كان بوحمارة ترك في كبدانة متاعه وفراشة، وبعد بضعة أيام من مقامه في زاوية ورك، وجه رسالة إلى شرفاء كبدانة، مع أحد خدام الزاوية، يطلب فيها إرسال فراشه ومتاعه مع حامل الرسالة. ولكن حين تعرف عليه عبد النبي، أدرك أن مقامه في الزاوية لا يمكن أن يستمر، فقرر الرحيل عنها. فاستأذن صاحب الزاوية، فرحل فجر تلك الليلة في اتجاه فرخانة، ومها إلى الجزائر، عبر كبدانة.

مهداد: نصل الآن إلى اللحظة الحاسمة في حياة الرجل. فقد كان بإمكانه أن يظل زعيما محليا أو شيخا لطريقة صوفية، لكنه اختار أن يعلن نفسه «مولاي امْحَمَّد»، الابن البكر للسلطان الراحل الحسن الأول. كيف تفسرون هذا التحول؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: عندما أحس الزرهوني أن نفوذه قد اشتد، انتقل إلى مرحلة جديدة من مشروعه. فقد ادعى أنه الأمير «مولاي امْحَمَّد»، الابن البكر للحسن الأول، وأنه أحق بالحكم، وأدلى بوثائق قال إنها تثبت نسبه. وهنا تغيرت طبيعة حركته بالكامل. لم يعد الأمر يتعلق برجل يعارض بعض رجال المخزن أو يسعى إلى الاستقلال عن سلطتهم، بل أصبح يتعلق بشخص يدعي أنه السلطان الشرعي، وأن العرش من حقه.

ومن المهم أن نتذكر أن السياق السياسي كان ملائما لانتشار هذا الادعاء. كان مولاي امحمد الحقيقي سجينا لدى أخيه السلطان مولاي عبد العزيز. وقد أتاح هذا الوضع مجالا للالتباس لدى قطاعات من السكان، خصوصا في زمن لم تكن فيه المعلومات المتعلقة بدوائر البلاط متاحة للجميع.

إن ما يلفت الانتباه هنا هو قدرته على الجمع بين رمزين للشرعية: الرمز الديني، من خلال الصورة الصوفية التي عمل على ترسيخها، والرمز السلطاني، من خلال ادعاء النسب إلى الحسن الأول.

لقد كان يدرك أن ادعاء السلطنة يحتاج إلى أكثر من القوة؛ يحتاج إلى إقناع الناس بأن صاحبه ليس مجرد متمرد، وإنما رجل له حق مشروع في الحكم. وبذلك حاول أن يحول الاعتقاد في شخصه إلى قاعدة سياسية.

مهداد: أصبح المغرب إذن، محكوما بشخصين: سلطان شرعي، وسلطان مزيف!

الأستاذ عبد القادر شقيقي: قد انقسم المغاربة بين مناصري «بوحمارة» ومناصري السلطان مولاي عبد العزيز. فأتباع بوحمارة عرفوا باسم «المحمديين»، نسبة إلى «مولاي امْحَمَّد» الذي ادعى أنه هو، بينما عرف أنصار السلطان باسم «العزيزيين». فالصراع لم يبق محصورا بين بوحمارة والمخزن، بل امتد إلى المجتمع، وأصبح الولاء فيه يعبر عنه بالانتساب إلى أحد الطرفين.

ساعدته علاقاته بالقبائل، والهيبة التي اكتسبها، وقدرته على استقطاب الأنصار. وقد استقر في سلوان، ومنها أدار جانبا مهما من حركته. وتمكن أتباعه من تحدي ممثلي السلطان في عدد من المواقع. كان كثير من أتباعه يؤمنون فعلا بأنه «مولاي امْحَمَّد»، وأنه صاحب الحق في العرش. ومن هنا نفهم أهمية مسألة الشرعية في استمرار الحركة.

مهداد: كان “الجيلالي الزرهوني” ضيفا على الزاوية القادرية، فتحت له أبوابها، وأطعمته، وأكرمته، حين زارها زاعما أنه يسلك طريق الصوفية، فما هو موقفها منه بعد أن أظهر نواياه، وأعلن تمرده، وأقام سلطته في الريف؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: تذكر الرواية أن بوحمارة ظل يحترم شرفاء الزاوية القادرية، يبدو أن الروابط السابقة ظلت تؤثر في سلوكه السياسي، فأصدر تعليماته إلى قادته وأتباعه بعدم التعرض لهم أو المساس بأملاكهم، تقديرا لما لقيه منهم قبل أن يعلن حركته.

أما الزاوية القادرية فقد حافظت، على حيادها الإيجابي، فهي تعترف بالسلطة الشرعية للسلطان مولاي عبد العزيز، وتحترم عقد البيعة، ولكنها لم تدخل الحرب ضد بوحمارة، فالعرف يقضي بألا يحمل الشرفاء السلاح في معركة داخلية، إلا جهادا ضد الغزاة. وأتاح موقف الحياد للزاوية أن تقوم بدور الوساطة بين القبائل وحركة بوحمارة. فتدخلت في جبر الدماء، وإطلاق الأسرى، والشفاعة للضحايا.

هنا تتجلى إحدى الوظائف الاجتماعية للزوايا. فعندما يتصاعد العنف وتضعف قنوات التفاوض، تستطيع المؤسسة الدينية التي تحظى باحترام الأطراف أن تفتح مجالا للوساطة، وأن تمنع بعض النزاعات من التحول إلى خصومات لا تنتهي.

إن الحياد في مثل هذه الحالات لا يعني بالضرورة الوقوف على مسافة واحدة من الجميع في كل شيء، بل قد يكون وسيلة لحماية القدرة على التدخل، والإبقاء على أبواب التواصل مفتوحة.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الزاوية القادرية مجرد تفصيل في سيرة بوحمارة، وإنما جزءا من البنية الاجتماعية التي احتضنت الصراع وحاولت الحد من آثاره، ومحاصرته بطريقة ديبلوماسية مرنة.

مهداد: من الشخصيات التي تستحق الوقوف عندها الشاذلي، الذي كان من أبرز رجال بوحمارة في الريف. ما الذي حدث له؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: كان محمد الشاذلي المزوجي يعتقد أن بوحمارة هو بالفعل الأمير «مولاي امْحَمَّد»، وأنه الأحق بتولي العرش. لكن عندما ثبت بطلان ادعائه، انفصل عنه. إذ لم يعد هناك ما يبرر استمرار التحالف بالنسبة إلى الشاذلي.

في خضم الصراع، أصدر السلطان مولاي عبد العزيز منشورا، مطبوعا بالمطبعة الحجرية بفاس، يحذر عموم المواطنين، من مخاطر الانسياق وراء دعوة بوحمارة، ويرد على مزاعمه الباطلة، هذا المنشور تم توزيعه في كافة ربوع المملكة، فكان سببا في تعرف كثير من الناس على حقيقة الموضوع، ما أدى إلى انفصال بعض رجاله عنه، وكان الشاذلي من بينهم.

لكن الشاذلي أخطأ حين تسرع بالسفر إلى فاس لملاقاة السلطان والمخزن عام 1909، حتى قبل أن يبلغ المخزن خبر انفصاله عن بوحمارة، ولم يعمل بنصيحة شيخ الزاوية القادرية بعدم السفر إلى فاس، لكن، لعل البحث عن الوجاهة الاجتماعية، دفعته إلى رفض النصيحة، فاختفى أثره في فاس، مخلفا وراءه أيتاما ضعافا، كانت الزاوية القادرية ملاذهم.

مهداد: بعد استعراض هذه الوقائع، أريد أن أطرح سؤالا أوسع: هل كان بوحمارة مجرد رجل استغل اضطراب الأوضاع السياسية، أم أنه كان صانعا للظروف التي سمحت له بالصعود؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: أعتقد أنه استفاد من الظروف، لكنه لم يكتف بانتظارها. لقد تحرك بين المناطق، واستفاد من علاقاته، واستخدم الأسماء والوثائق، وعمل على اكتساب مكانة دينية، ثم أعلن نفسه سلطانا. كل ذلك يدل على أنه كان يسعى إلى بناء مشروعه، لا مجرد استغلال فرصة عابرة. فتجربته تكشف عن دهائه، وقدر من التخطيط والقدرة على قراءة الواقع. لكن نجاحه لم يكن نتيجة ذكائه الشخصي وحده؛ فقد احتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية تسمح بانتشار ادعائه.

فالسلطة ليست مجرد إرادة فردية، بل علاقة بين من يطلب الحكم ومن يقبل به أو يسانده. وقد استطاع بوحمارة، في مرحلة معينة، أن يقنع بعض الناس بأنه يمثل بديلا عن السلطان، لكن هذا القبول لم يكن مطلقا ولا دائما. فكثير من القبائل تخلت عنه عندما تغيرت الظروف، وعندما أخذت حقيقة ادعائه تتضح.

وهناك عامل آخر لا ينبغي إغفاله، وهو علاقته بالقوى الأجنبية. فالمادة تشير إلى أنه دخل في تفاهمات مع إسبانيا وفرنسا، ومنحهما امتيازات في بعض مناطق الريف، ومنها مناجم ويكسان. وقد أثار ذلك غضب قبائل الريف، وأسهم في تراجع شعبيته. وتصاعد المقاومة التي تزعمها الشريف محمد أمزيان. أدت إلى تراجع الثقة، وتبدل مواقف القبائل، وتصاعد المقاومة، شكلت مجتمعة عوامل أضعفت حركته.

مهداد: كيف انتهى هذا المشروع الذي شغل الريف الشرقي لسنوات؟

الأستاذ عبد القادر شقيقي: انتهى بعد أن تراجعت شعبية بوحمارة، وتمردت عليه قبائل الريف، وتصاعدت حركة المقاومة التي تزعمها الشريف محمد أمزيان. وفي سنة 1909، حاصره جيش السلطان مولاي عبد الحفيظ وألقى القبض عليه، ثم نقل إلى فاس حيث أعدم في شتنبر من العام نفسه.

إن نهاية قصة «بوحمارة» لا تفسر فقط بتفوق الجيش السلطاني عليه، بل ينبغي النظر إليها أيضا في ضوء تراجع شرعيته لدى بعض أتباعه، وتبدل مواقف القبائل، وتزايد الاعتراض على سياساته وعلاقاته بالقوى الأجنبية.

مهداد: أعتقد أن تاريخ بوحمارة في الريف الشرقي ما زال يحتاج إلى مزيد من البحث، خصوصا فيما يتعلق بالوثائق المحلية، والروايات المتوارثة، والأشعار التي قيلت في الوقائع المرتبطة بحركته.

الأستاذ عبد القادر شقيقي: لا شك في ذلك. فالوثيقة التاريخية تمدنا بالتواريخ والأسماء والمراسلات، بينما تحفظ الذاكرة المحلية تفاصيل الحياة اليومية، ومواقف الناس، وأشكال استقبالهم للأحداث. لكن لا بد من وضع كل رواية في سياقها، ومقارنتها بما يتوفر من مصادر أخرى.

ولعل أهم ما نتعلمه من هذه التجربة هو أن السلطة لا تقوم على القوة وحدها، ولا على النسب وحده، ولا على المكانة الدينية وحدها، بل تتشكل من تفاعل عناصر متعددة: الاعتقاد، والمصلحة، والروابط الاجتماعية، والقدرة على الإقناع، والظروف السياسية. وهذا ما يفسر أن الرجل استطاع في مرحلة معينة أن يجمع حوله الأنصار، ثم فقدهم عندما تغيرت الظروف وانكشفت بعض الحقائق.

إن الريف الشرقي، في هذه المرحلة، لم يكن مجرد مسرح لأحداث متفرقة، بل كان مجالا تتفاعل فيه قوى محلية ومركزية، وتتشابك داخله المصالح والاعتقادات والولاءات. ومن خلال استعادة هذه الوقائع، لا نعيد سرد الماضي فحسب، بل نحاول فهم المجتمع الذي أنتجها، والظروف التي جعلت من الجيلالي الزرهوني، المعروف ببوحمارة، واحدا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المغرب الحديث.

الزبير مهداد

الزبير مهداد: كاتب وباحث مغربي في مجالات التربية والثقافة والتاريخ والتراث، له أكثر من عشرين مؤلفاً تتناول قضايا التعليم والفكر التربوي والثقافة المغربية والأمازيغية. من أبرز أعماله «من الثقافة المغربية الأمازيغية» (2022)، و«الفروسية التقليدية في المغرب» (2024)، و«جولات في نصوص رحلية مغربية» (2025)، و«صور من فنون العمارة» (2026). ويولي في أبحاثه اهتماماً خاصاً بتوثيق الذاكرة الثقافية والتراث المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى