المغرب يموّل تدريس العربية في الخارج، ويُعرقل تدريس الأمازيغية داخل الوطن

أثار خبر تمويل المغرب لتدريس اللغة العربية لنحو ألفي تلميذ من أبناء الجالية المغربية في كاتالونيا نقاشًا واسعًا حول السياسات اللغوية المعتمدة تجاه مغاربة العالم. ويأتي هذا البرنامج في إطار الحفاظ على الروابط الثقافية واللغوية مع الجالية بالخارج، وهي خطوة تندرج ضمن توجه رسمي مستمر لدعم تعليم العربية خارج أرض الوطن.
غير أن هذا الحضور المؤسسي الواضح للعربية يقابله معطى آخر لا يقل أهمية: غياب شبه تام لبرامج ممولة ومنظمة لتدريس الأمازيغية لأبناء الجالية المغربية في الخارج. فبالرغم من أن الأمازيغية أُقرت كلغة رسمية بموجب دستور 2011، فإن تنزيل هذا الطابع الرسمي خارج الحدود الوطنية لا يزال محدودًا للغاية، خاصة في ما يتعلق بالتعليم الموجه لأبناء المغاربة المقيمين بأوروبا.
وتكمن المفارقة في أن نسبة مهمة من الجالية المغربية، خصوصًا في بلدان مثل إسبانيا وبلجيكا وهولندا، تنحدر من مناطق ناطقة بالأمازيغية، وتستعملها داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي. ومع ذلك، لا يظهر هذا الامتداد اللغوي في البرامج الرسمية المؤطرة من طرف الدولة، ما يطرح تساؤلات حول مدى تفعيل مبدأ المساواة بين اللغتين الرسميتين في السياسات العمومية.
فإذا كان تعليم اللغة لأبناء الجالية يُنظر إليه كأداة للحفاظ على الهوية الوطنية، فإن هذه الهوية ليست أحادية اللسان، بل متعددة الروافد. ومن هذا المنطلق، يصبح النقاش مرتبطًا بمفهوم العدالة اللغوية واتساق السياسات مع المقتضيات الدستورية، وليس بمجرد خيارات تقنية أو إدارية.
تجارب دولية عديدة تُظهر أن الرسمية المزدوجة أو التعددية اللغوية لا تظل حبرًا على ورق. ففي كندا، تُفعل رسمية الإنجليزية والفرنسية داخل البلاد وخارجها ضمن برامج واضحة. وفي سويسرا، تُدار التعددية اللغوية بمنطق التوازن والحماية المتكافئة. أما في بلجيكا، فيُعتبر التكافؤ اللغوي جزءًا من الاستقرار السياسي نفسه. هذه النماذج تؤكد أن الاعتراف الدستوري بلغة ما يقتضي سياسات عملية وميزانيات وبرامج تعكس ذلك الالتزام.
اليوم، ومع استمرار غياب تعليم الأمازيغية في الخارج مقابل حضور منظم وممول للعربية، لم يعد السؤال متعلقًا بالنوايا، بل بمدى انسجام السياسات اللغوية في المغرب مع روحه الدستورية. فاللغة الرسمية لا تُختبر في النصوص، بل في البرامج والقرارات والاعتمادات المالية التي تمنحها حضورًا فعليًا على أرض الواقع.



