الناظور بين جمال الطبيعة وفشل الإنسان

زار مؤثر سعودي مشهور مدينة الناظور بهدف صناعة محتوى ترويجي، لكنه سرعان ما اكتشف أن المدينة تحتاج أولًا إلى من يصنع لها ما يمكن الترويج له. فباستثناء ما منحته الطبيعة من جمال منذ آلاف السنين، لم يضف الإنسان شيئًا يُعرّف بها للعالم. لا مبانٍ أيقونية، ولا فضاءات ثقافية، ولا معالم معمارية تُروى قصتها، سوى بحيرات وجبال وشواطئ خلابة تكفلت الطبيعة وحدها بصنعها. انتهت الجولة بفيديو ركّز على كون الناظور ربما تضم أكبر تجمع لسيارات “مرسيدس”، بينما بقيت المدينة الحقيقية غائبة عن الكاميرا… وعن العالم.
المؤلم في هذه الصورة ليس جمال الطبيعة ولا كثرة السيارات، بل ما تكشفه من إخفاق حضري وثقافي عميق. فالناظور تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، يجمع بين البحر والبحيرات والجبال، لكنها لم تعرف كيف تحوّل هذه النعم إلى عمران حضري ذي معنى، أو إلى مآثر سياحية، أو منتجعات، أو بنية تحتية قادرة على استقطاب الزوار والاستثمار. ما شُيّد خلال عقود لم يتجاوز علبًا إسمنتية بلا روح، بلا جمال، وبلا حياة. لا شوارع جذابة، ولا حدائق، ولا متاحف، ولا فضاءات ثقافية أو فنية تحكي تاريخ المدينة وتراثها.
لقد أُتيحت فرص كثيرة لبناء مدينة ذات معنى وهوية، لكنها ضاعت واحدة تلو الأخرى. المسؤولون تعاقبوا ثم رحلوا، المشاريع التي وُعد بها السكان تبخّرت أو نُسيت، بينما انصبّ اهتمام المستثمرين والأغنياء على تشييد كتل إسمنتية تفتقر لأي بعد إنساني أو جمالي، وكأن المدينة مجرد مساحة للبناء لا فضاء للعيش.
الناظور مدينة غنية بالقصص والتاريخ والإمكانات، لكنها تفتقر إلى رؤية واضحة. فالجمال الطبيعي وحده لم يعد كافيًا في عالم يعج بالمدن الساحلية والجبال والشواطئ. ما يصنع الفارق اليوم هو الإنسان: ذاكرته، وثقافته، وعمرانه، وقدرته على تحويل المكان إلى حكاية.
زيارة المؤثر السعودي كشفت هذه الحقيقة بلا مواربة. لا يهم من رافقه، ولا من استقبله، ولا من ظهر في الصور إلى جانبه. الأهم أن المدينة نفسها لم تُحضّر شيئًا حقيقيًا ليُعرض للعالم. الكاميرا لم تجد ما تصوره سوى الطبيعة، لأن ما صنعه الإنسان لا يستحق التصوير.
والمفارقة المؤلمة أن بعض المسؤولين عن المدينة، بدل الاعتراف بحجم الكارثة وفشل تدبير الناظور كما عكسته الصور، اختاروا مهاجمة طريقة تسويق صورة المدينة، وانتقاد المنسقين للزيارة، وكأن المشكلة تكمن في زاوية التصوير لا في الواقع نفسه. بل ذهب بعضهم إلى القول إن الزيارة كان ينبغي أن تتم بتنسيق مسبق مع المنتخبين والمثقفين والكفاءات الشابة، بدعوى أنهم قادرون على تقديم صورة “متوازنة” عن الناظور.
غير أن هذا الخطاب لا يجيب عن السؤال الجوهري: ماذا كانت ستُظهر هذه الصورة المتوازنة؟ هل كانت ستُخفي الفراغ العمراني؟ أم غياب الفضاءات الثقافية؟ أم فقر العرض الحضري؟ المشكلة ليست في من رافق المؤثر ولا في من نسّق زيارته، بل في مدينة لم تُبنَ لتُرى، ولم تُخطَّط لتُحكى. فالواقع لا تُصلحه البلاغة، ولا تُجمّله البيانات، بل تغيّره فقط السياسات الجادة والرؤية الحضرية الحقيقية.
الدرس الأهم هو أن لا مؤثر، ولا منصة عالمية، يمكنها تغيير واقع مدينة ما لم يتحرك أبناؤها، من مسؤولين ومستثمرين وفاعلين محليين، لبناء نهضة حقيقية. الناظور تحتاج إلى إعادة تخطيط عمراني وثقافي، إلى متاحف وفضاءات عامة وحدائق ومراكز ثقافية وفنية، إلى معمار متناسق وهوية واضحة تجعل منها مدينة تُحكى للعالم ويعتز بها سكانها.
قبل أن نفرح بزيارة أي مؤثر، أو نحتفي بمن سيظهر في الصور، علينا أولًا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بالواقع المؤلم، والعمل على إنقاذ المدينة. فالكاميرات لا تصنع المدن، بل يصنعها الناس الذين يعيشون فيها ويخططون لمستقبلها.



