هل تخفي ملوية أسرار العشرة آلاف سنة الأخيرة؟ بعثة علمية مشتركة تبحث في أعماق التاريخ

شراكة أكاديمية مغربية-فرنسية تجمع ثلاث مؤسسات جامعية بحثية في مشروع علمي طموح يمزج بين علم الآثار والبيئة، بأدوات رقمية متطورة وفرق متعددة التخصصات.
تحتضن منطقة ملوية بشمال شرق المغرب مشروعاً علمياً استثنائياً يجمع لأول مرة بين البحث الأثري والدراسة البيئية في إطار شراكة أكاديمية دولية متينة. ويسعى هذا المشروع إلى الكشف عن ملامح الحياة البشرية في المنطقة خلال عشرة آلاف سنة من تاريخ العصر الحجري الحديث، مستعيناً بأحدث التقنيات العلمية والرقمية المتاحة في مجال علم الآثار.
يضم المشروع مجموعة من الشركاء المؤسساتيين، من بينهم المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP) التابع لوزارة الشباب والثقافة والتواصل في المغرب، إضافة إلى جامعة ليون 2 Université Lumière Lyon 2 بفرنسا، وكذلك جامعة محمد الخامس Université Mohammed V بالرباط، المغرب، حيث تتكامل هذه المؤسسات الأكاديمية والعلمية لدعم الجوانب البحثية والتقنية للمشروع وتعزيز التعاون الدولي في مجالات البحث الأثري والجيولوجي.
ملوية: إمكانات أثرية واعدة تنتظر الكشف
لم يكن اختيار منطقة ملوية موقعاً لهذا المشروع محض صدفة؛ فقد كشفت الأبحاث الاستطلاعية الأولية عن إمكانات أثرية بالغة الثراء، تجعل من هذه المنطقة أرضاً خصبة للبحث في فجر التاريخ الإنساني بالمغرب. ويتمحور المشروع حول إعادة بناء صورة متكاملة عن مراحل العصر الحجري الحديث خلال العشرة آلاف سنة المنصرمة، وهي حقبة شهدت تحولات جذرية في أنماط حياة الإنسان وعلاقته بمحيطه الطبيعي.
ثلاثة محاور بحثية بأدوات القرن الواحد والعشرين
يعتمد المشروع على منهجية علمية متعددة المستويات، ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة فيما بينها، تبدأ بالمسح الجيوفيزيائي من خلال تحليل باطن الأرض باستعمال الرادار الأرضي (الجيو رادار) للكشف عن البنيات والمكونات المخفية دون الحاجة إلى الحفر، يلي ذلك رسم الخرائط الرقمية عبر توثيق التكوينات الجيولوجية للعصر الهولوسيني باستخدام تقنية التصوير المجسم (الفوتوغرامتري)، إضافة إلى التنقيب الأثري الذي يهدف إلى رصد مواقع استقرار مجموعات العصر الحجري الحديث وجمع بيانات ميدانية دقيقة تساعد على فهم طبيعة الحياة البشرية خلال تلك الفترات التاريخية.
“الجمع بين الرادار الأرضي والتصوير المجسم والتنقيب الميداني يفتح أمامنا نافذة غير مسبوقة على حياة الإنسان في ملوية منذ فجر العصر الحجري الحديث.”
فرق متعددة التخصصات وجيل جديد من الباحثين
تعمل في إطار هذا المشروع ثلاث فرق بحثية متكاملة، تضم متخصصين في عصور ما قبل التاريخ، والجيومورفولوجيا، وعلم الرسوبيات، والجيوفيزياء، وغيرها من التخصصات العلمية المتقاطعة. وما يميز هذا المشروع أيضاً أنه يُتيح لمجموعة من طلبة الدكتوراه والماستر، مغاربة وفرنسيين، الانخراط في بيئة بحثية احترافية تُجمع بين الميدان والأكاديمية، مما يجعله فضاءً للتكوين العلمي الرفيع إلى جانب كونه مشروعاً للبحث.
ويُجسد هذا المشروع نموذجا للتعاون العلمي الجنوب-الشمال القائم على الندية والتكامل، إذ لا تكتفي المؤسسات الفرنسية بدور الممول أو الموجّه، بل تنخرط جامعة محمد الخامس والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بحضور فعلي وكفاءات وطنية في صلب الفرق البحثية الميدانية.



