نداء من أجل إحداث مدارس لتعليم أمازيغية الريف لغير الناطقين بها

يشهد الريف خلال السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية وديموغرافية متسارعة، من بينها هجرة عدد كبير من أبناء المنطقة إلى أوروبا، واستقرار وافدين من مناطق أخرى للعمل والإقامة في مختلف مدن وقرى الريف، إضافة إلى حضور أجانب من الصين وإسبانيا ودول أخرى، ممن لهم استثمارات كبيرة ومصالح اقتصادية في المنطقة.
وأمام هذا الواقع الجديد، أصبح من الضروري التفكير في سياسة لغوية واجتماعية تساعد على التواصل والاندماج داخل المجتمع الريفي، وتحافظ في الوقت نفسه على اللغة والثقافة المحليتين.
ومن هنا يأتي هذا النداء إلى المؤسسات والجهات المسؤولة والمنتخبة والجماعات الترابية والفاعلين الثقافيين في الريف من أجل العمل على إحداث مدارس أو مراكز متخصصة في تعليم أمازيغية الريف لغير الناطقين بها.
ويستند هذا المقترح أيضًا إلى تواصل مباشر مع عدد من العمال والوافدين المقيمين في الريف من خارج المنطقة، إضافة إلى بعض الأجانب المقيمين أو المستثمرين فيها، حيث تبين أن الكثير منهم لديهم رغبة حقيقية في تعلم أمازيغية الريف والتواصل بها مع محيطهم، لكنهم لا يجدون مؤسسات أو مراكز متخصصة يمكنهم الالتحاق بها. وهذا يؤكد أن الحاجة إلى هذا النوع من التعليم ليست افتراضية، وإنما هي حاجة موجودة لدى جزء من المقيمين في المنطقة، سواء كانوا مغاربة أو أجانب.
لماذا نحتاج إلى هذا البرنامج؟
إن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أيضًا جزء من تاريخ المجتمع وثقافته وذاكرته الجماعية.
وكما أن أبناء الريف الذين يعيشون في أوروبا مطالبون بتعلم لغة البلد الذي يقيمون فيه، وتوفر لهم دول الإقامة برامج ودروسًا للاندماج اللغوي والاجتماعي، فمن الطبيعي أيضًا أن تتوفر في الريف برامج تساعد كل من اختار الإقامة فيه، أو الاستثمار والعمل داخله، على تعلم اللغة المحلية والتواصل بها مع سكان المنطقة.
وهذا يشمل العمال والموظفين القادمين من خارج الريف، والأسر التي استقرت حديثًا في المنطقة، والطلبة والوافدين للعمل أو الدراسة، والمستثمرين الأجانب والعاملين في الشركات والمشاريع الاقتصادية، بمن فيهم القادمون من الصين وإسبانيا ودول أخرى، وأبناء الجالية الريفية المقيمين في أوروبا الذين يعودون إلى الريف خلال العطل ولا يتقنون اللغة المحلية، وكل شخص يرغب في الاندماج في المجتمع الريفي والتعرف على ثقافته.
برنامج “أمازيغية الريف للجميع”
نقترح إطلاق برنامج مؤسساتي تحت اسم:
“أمازيغية الريف للجميع”
يهدف إلى توفير تعليم مبسط وعملي لأمازيغية الريف، مع التركيز في المرحلة الأولى على اللغة المستعملة في الحياة اليومية، وعلى تلبية حاجات المقيمين والعمال والطلبة والمستثمرين وأفراد أسرهم.
ويُقترح أن يتضمن البرنامج مستوى أول يركز على أساسيات التواصل والحوار اليومي، ومستوى ثانيًا يهتم بالقراءة والكتابة والمفردات الأساسية، ومستوى ثالثًا يركز على التواصل الإداري والاجتماعي والمهني، إلى جانب دروس خاصة للأطفال وأبناء الأسر الوافدة، ودورات مكثفة خلال فصل الصيف لفائدة أبناء الجالية، ودورات موجهة للعمال والموظفين والمستثمرين الأجانب والعاملين في القطاعات الاقتصادية، مع إعداد كتب ووسائل تعليمية خاصة بأمازيغية الريف، والاستفادة من التكنولوجيا والتطبيقات الرقمية لتسهيل التعلم، ومنح شهادات للمشاركين بعد إتمام المستويات التعليمية.
من يمكنه احتضان هذا البرنامج؟
لا ينبغي أن يبدأ هذا المقترح من الصفر، بل يمكن البناء على المؤسسات الموجودة أصلًا، وفتح نقاش عملي حول الدور الذي يمكن أن تقوم به في هذا المجال.
أولًا: المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM). يمتلك المعهد خبرة ومهام مرتبطة بإعداد البرامج والوسائل التعليمية والتكوين في مجال الأمازيغية، كما أن مركز البحث الديداكتيكي والبرامج البيداغوجية التابع له يذكر صراحة ضمن مهامه تعليم الأمازيغية للبالغين غير الناطقين بها. كما ينص الظهير المنظم للمعهد على المساهمة في إعداد برامج التكوين لفائدة كل شخص يرغب في تعلم الأمازيغية.
ومن هنا يطرح النداء سؤالًا واضحًا: هل يمكن للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن يضع، بشراكة مع المؤسسات المحلية، برنامجًا أو مقررات خاصة بأمازيغية الريف، موجهة إلى غير الناطقين بها والمقيمين في منطقة الريف؟ ويمكن أن تستفيد هذه المقررات من الخصوصيات اللغوية والثقافية للريف، مع الاستفادة في الوقت نفسه من المناهج والخبرة البيداغوجية الموجودة لدى المعهد.
ثانيًا: جامعة محمد الأول – الكلية متعددة التخصصات بالناظور في سلوان. توجد بهذه الكلية بالفعل شعبة للدراسات الأمازيغية، وتشمل مجالات مثل اللغة والأدب والثقافة واللسانيات والديداكتيك والترجمة وغيرها.
لذلك يمكن طرح اقتراح آخر: لماذا لا تفتح هذه الشعبة، أو تتعاون مع الجهات المحلية، لإحداث دورات تكوينية مسائية أو موسمية في أمازيغية الريف لفائدة غير الناطقين بها؟ ويمكن أن تكون الجامعة فضاءً لتكوين المدرسين وإعداد المناهج والمواد التعليمية، بينما تُنظم الدورات لفائدة العموم في أوقات مناسبة للعمال والموظفين وأبناء الجالية والمستثمرين والعاملين في المؤسسات الاقتصادية.
وبذلك يمكن أن يقوم البرنامج على شراكة بين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والجامعة، والجماعات الترابية، والمؤسسات الثقافية والتعليمية والجمعيات المتخصصة، بدل انتظار إنشاء مؤسسة جديدة بالكامل.
أمازيغية الريف لغة للتواصل والاندماج
إن الهدف من هذا المقترح ليس فرض اللغة على أحد، ولا خلق تمييز بين السكان، وإنما خلق جسر للتواصل بين مختلف مكونات المجتمع المقيمة في الريف.
فالوافد الذي يتعلم لغة المنطقة يستطيع التواصل بصورة أفضل مع جيرانه وزملائه ومحيطه الاجتماعي، كما يصبح أكثر قدرة على فهم الثقافة والعادات المحلية. وينطبق الأمر نفسه على المستثمرين الأجانب والعاملين في الشركات والمشاريع، إذ يساعدهم تعلم اللغة المحلية على بناء علاقات أكثر قربًا وثقة مع السكان وشركائهم في المنطقة.
وفي المقابل، فإن أبناء الريف المقيمين في أوروبا يعيشون تجربة مماثلة؛ إذ يتعلمون لغة مجتمعات الإقامة، وتوجد في العديد من الدول برامج للاندماج اللغوي والاجتماعي.
ومن حق الريف أيضًا أن تكون له سياسة اندماج لغوي تحترم لغته المحلية وثقافته.
نداء إلى الجهات المسؤولة
إننا ندعو المؤسسات والجهات المعنية في الريف إلى دراسة إمكانية إحداث مراكز ومدارس لتعليم أمازيغية الريف لغير الناطقين بها، سواء داخل المؤسسات العمومية أو من خلال مراكز ثقافية وتعليمية متخصصة.
كما ندعو إلى إشراك الجامعات والباحثين والأساتذة والفاعلين الثقافيين والجمعيات المتخصصة في إعداد المناهج والبرامج التعليمية، مع مراعاة حاجات مختلف الفئات، بما في ذلك العمال والموظفون والطلبة والمستثمرون الأجانب وأفراد أسرهم.
فالريف اليوم أمام فرصة لتحويل التنوع الاجتماعي الجديد إلى تعايش حقيقي قائم على التواصل والاحترام المتبادل.
تعلم لغة المنطقة ليس عائقًا أمام الاندماج، بل هو أحد أهم أبوابه.
ومن يريد أن يعيش في الريف، ويعمل فيه، أو يستثمر داخله، ويبني مستقبله فيه، فمن الطبيعي أن تتاح له فرصة تعلم لغة المجتمع الذي يعيش بينه.
أمازيغية الريف ليست حاجزًا بين الناس، بل يمكن أن تكون جسرًا يجمعهم.



