Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
تمازيغت

الناظور.. حين تستيقظ الذاكرة النضالية الأمازيغية من جديد

بعد سنوات من تراجع الحضور النضالي للحركة الثقافية الأمازيغية بمدينة الناظور، تعود أصوات الطلبة الأمازيغ إلى الواجهة، في مشهد يستحضر تاريخ الحركة الطلابية بالريف، ويطرح أسئلة عميقة حول استمرارية النضال وتجدد الوعي الأمازيغي بين الأجيال.

ليست عودة الحركة الثقافية الأمازيغية إلى شوارع الناظور مجرد حدث احتجاجي عابر، بل تحمل دلالات رمزية وتاريخية تتجاوز المطالب المباشرة التي خرج من أجلها الطلبة. فمدينة الناظور، التي ارتبط اسمها لعقود بالحراك الثقافي والحقوقي الأمازيغي، شهدت تحركات احتجاجية جديدة أعادت إلى الواجهة حضور الحركة الثقافية الأمازيغية، بعد سنوات من تراجع نشاطها وظهورها في الفضاء العام.

وجاءت هذه التحركات على خلفية قضية الطالب وهيل الحياني، الذي كان يتابع قضائيًا قبل صدور الحكم الاستئنافي القاضي بالإفراج عنه. وقد نظم مناضلو الحركة الثقافية الأمازيغية، بموقع قاضي قدور، خطوات احتجاجية انطلقت من الكلية، قبل أن تمتد إلى ساحة التحرير وسط مدينة الناظور، للمطالبة بإطلاق سراحه والتنديد بالحكم الابتدائي الصادر في حقه.

وبحسب بيان صادر عن الحركة، فقد شهدت الوقفة الاحتجاجية تطويقًا أمنيًا، فيما أكد المشاركون تمسكهم ببراءة زميلهم واستعدادهم لمواصلة التحركات الاحتجاجية. واختُتمت الخطوات بساحة الشهيد إزم عمر خالق بالحي الجامعي.

الناظور وذاكرة النضال الأمازيغي

لا يمكن قراءة هذه العودة بمعزل عن التاريخ الطويل للحركة الأمازيغية في الريف، ولا عن الدور الذي لعبته الجامعة المغربية في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي لدى أجيال من الشباب الأمازيغي.

فمنذ عقود، شكلت الحركة الثقافية الأمازيغية داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب فضاءً للنقاش حول الهوية واللغة والتاريخ والحقوق الثقافية، وساهمت في نقل القضية الأمازيغية من دائرة الاهتمام الثقافي المحدود إلى فضاء النقاش العمومي.

وكانت الناظور واحدة من المدن التي احتضنت هذا الوعي، سواء من خلال المبادرات الثقافية والجمعوية أو عبر النشاط الطلابي الذي جعل من الجامعة مجالًا للتعبير عن قضايا المجتمع الريفي وتطلعاته.

غير أن الحركات الاجتماعية لا تسير دائمًا في خط تصاعدي. فهي تعرف فترات من النشاط وأخرى من التراجع، وتتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية، وبالتغيرات التي تطرأ على الأجيال والأولويات وأشكال التنظيم.

ومن هذا المنطلق، فإن تجدد النشاط الأمازيغي بالناظور يكتسب أهمية خاصة، ليس لأنه يعيد إنتاج الماضي، بل لأنه يفتح المجال أمام جيل جديد لإعادة التفكير في هذا الإرث والتفاعل معه وفق تحديات الحاضر.

جيل جديد وذاكرة لم تنطفئ

لعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التحركات هو حضور جيل طلابي جديد لم يعش بالضرورة المراحل الأولى من تشكل الحركة الثقافية الأمازيغية، لكنه يجد نفسه اليوم أمام الأسئلة نفسها التي شغلت أجيالًا سابقة: أسئلة الهوية والكرامة والحرية والعدالة والاعتراف.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الحركات التي تستند إلى ذاكرة جماعية عميقة؛ فهي قد تتراجع تنظيميًا أو تغيب عن المشهد لسنوات، لكنها تظل حاضرة في الوعي الاجتماعي والثقافي، إلى أن تجد من يعيد التعبير عنها بلغة جديدة.

إن استمرارية الحركة الأمازيغية لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الوقفات الاحتجاجية أو بحجم الحضور في الشارع، بل كذلك بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتأطير الشباب، وتجديد خطابها، وربط المطالب الثقافية بالقضايا الاجتماعية والحقوقية التي تشغل المجتمع.

فالدفاع عن الأمازيغية لم يكن يومًا مجرد دفاع عن لغة أو رموز ثقافية، بل ارتبط أيضًا بالسؤال الأوسع المتعلق بمكانة الإنسان في وطنه، وبحقه في الذاكرة والتاريخ والمشاركة والكرامة.

من الاحتجاج إلى بناء المستقبل

إن عودة الحركة الثقافية الأمازيغية إلى الواجهة تطرح أيضًا مسؤوليات جديدة على الجيل الحالي. فالحفاظ على الإرث النضالي لا يعني الاكتفاء باستحضار الشعارات والتجارب السابقة، بل يتطلب القدرة على مراجعتها وتطويرها والاستفادة من دروسها.

فالريف اليوم يواجه تحديات مختلفة، تتعلق بالتشغيل والهجرة والتنمية والتعليم والفرص المتاحة للشباب، إلى جانب استمرار النقاش حول موقع اللغة والثقافة الأمازيغيتين في المؤسسات والحياة العامة.

ومن ثم، فإن مستقبل الحركة يرتبط بمدى قدرتها على الجمع بين الدفاع عن الحقوق الثقافية والانخراط في القضايا اليومية للمجتمع، مع الحفاظ على استقلاليتها وطابعها السلمي وانفتاحها على مختلف مكونات المجتمع.

كما أن الجامعة تظل فضاءً أساسيًا لبناء هذا الوعي، ليس باعتبارها ساحة للاحتجاج فقط، بل بوصفها مؤسسة لإنتاج الأفكار والنقاش والتكوين وإعداد أجيال قادرة على المساهمة في الحياة العامة.

حين تعود الذاكرة إلى الشارع

قد تبدو التحركات الأخيرة في الناظور محدودة من حيث حجمها، لكنها تحمل قيمة رمزية تتجاوز حدود المكان والحدث.

فأن يعود اسم الحركة الثقافية الأمازيغية إلى الظهور في مدينة ارتبطت بتاريخ طويل من النضال، وأن يرفع طلبة جدد مطالبهم في الفضاء العام، يعني أن العلاقة بين الذاكرة والأجيال لم تنقطع تمامًا.

ومع ذلك، فإن عودة النشاط لا تكفي وحدها للحكم على بداية مرحلة جديدة؛ فذلك يتوقف على استمرارية العمل، وقدرة الحركة على التنظيم والتجديد، ومدى تفاعلها مع المجتمع خارج أسوار الجامعة.

فالحركات التي تولد من عمق المجتمع قد تصمت طويلًا، لكنها لا تفقد معناها ما دامت القضايا التي نشأت من أجلها حاضرة، وما دامت هناك أجيال مستعدة لإعادة طرح أسئلتها.

وربما تكون هذه هي الدلالة الأعمق لما شهدته الناظور: ليست مجرد عودة إلى الاحتجاج، بل تذكير بأن الذاكرة الأمازيغية في الريف ليست صفحة مغلقة من التاريخ، وإنما إرث حي يتجدد كلما وجد من يحمله إلى المستقبل.

فالنضال الحقيقي لا يكمن فقط في المحافظة على ذاكرة الماضي، بل في القدرة على تحويل تلك الذاكرة إلى وعي يصنع المستقبل.

هيئة التحرير

موقع إعلامي شامل يُعنى بمختلف المواضيع والأخبار المرتبطة بالريف، إلى جانب المستجدات الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى